صحيفة اخبار الطيران – رغم التطور الكبير في أدوات التحوط المالي، ما زال وقود الطائرات يمثل ما يشبه “كعب أخيل” لصناعة الطيران العالمية، إذ يظل أكبر بند تكلفة، وأكثرها تقلباً، وأصعبها إدارة. وعلى مدار عقود، حاولت شركات الطيران ترويض هذا الخطر عبر أسواق المشتقات، لكن التجربة أثبتت أن الأدوات المالية، مهما بلغ تعقيدها، عجزت عن تقديم حل دائم لأزمة الوقود.
تشير بيانات صناعية من “الاتحاد الدولي للطيران” (IATA)، وشركات استشارات إلى أن الوقود يشكل في المتوسط ما بين 20% و30% من إجمالي التكاليف التشغيلية لشركات الطيران عالمياً، وهي نسبة ترتفع في فترات صعود أسعار النفط لتلامس أحياناً 35% أو حتى 40%، ما يجعله البند الأكثر تأثيراً في ربحية الشركات وتسعير التذاكر.
وتزداد حساسية هذا البند لعدة أسباب؛ أولها ارتباطه المباشر بأسعار النفط العالمية، وثانيها كونه تكلفة متغيرة لا تخضع لسيطرة الشركات، وثالثها أن شراء الوقود يتم غالباً بالدولار، ما يضيف مخاطر تقلبات العملة، خاصة لشركات الطيران في الأسواق الناشئة.
عملياً، يمثل كبر حصة “التكلفة المتغيرة” مزية وعيب في وقت واحد عند التخطيط المالي؛ فعندما تتراجع نسب التشغيل تتقلص التكاليف الكلية للشركات، إلا أنها عند التشغيل الكامل فإن التكاليف المتغيرة تأكل جزء كبير من الإيرادات.
لماذا فشل التحوط في حل الأزمة؟
نظرياً، يبدو التحوط ضد أسعار الوقود الحل الأمثل، لكن من الناحية العملية، يصطدم هذا الافتراض مع محدودية الفاعلية وارتفاع المخاطر مع التقلبات الحادة للأسعار.
وتأتي الصدمة الأولى في أن التحوط ليس مجانياً. فالعقود الآجلة والخيارات والمقايضات تتطلب دفع علاوات، وتجميد سيولة، وتحمل تكاليف محاسبية قد تتحول سريعاً إلى خسائر فعلية في حال تراجع أسعار النفط. وهو ما حدث مراراً في دورات هبوط الأسعار، حين وجدت شركات محوطة نفسها تدفع سعراً أعلى من السوق الفورية.
المشكلة الثانية في التحوط بالنسبة لقطاع الطيران، هو “عدم التطابق الهيكلي”… فأسواق مشتقات وقود الطائرات نفسها محدودة السيولة، ما يدفع الشركات للتحوط باستخدام عقود مرتبطة بخام برنت أو الديزل، وليس الوقود النفاث مباشرة. وهذا الفارق، المعروف ب”crack spread”، قد يتسع أو ينكمش بشكل مستقل عن أسعار النفط، ويفقد التحوط دقته.
أما العامل الأخطر، فهو مخاطر الطلب. شركات الطيران تتحوط بناءً على توقعات الاستهلاك، لا الاستهلاك الفعلي. وعندما تنهار حركة السفر بفعل أزمات صحية أو جيوسياسية أو ركود اقتصادي، تجد الشركات نفسها محاصرة بعقود تحوط لكمية وقود لن تستخدمها، وهو درس قاس لا تزال الصناعة تتذكره منذ جائحة كورونا.
وبحسب بيانات لشركتي “لوفتهانزا” و”مجموعة الطيران البريطانية”، لا تلجأ معظم شركات الطيران إلى التحوط الكامل، بل تكتفي بتغطية 30% إلى 70% من احتياجاتها المتوقعة، ولمدد قصيرة نسبياً، تتراوح بين 6 و24 شهراً. فالتحوط بات ينظر إليه كأداة لإدارة التقلب، لا لضمان الاستقرار.
اللافت أن مقاربة التحوط تختلف جذرياً من شركة إلى أخرى. حيث تميل شركات الطيران منخفضة التكلفة إلى تحوط أعلى نسبياً، مستفيدة من أساطيل حديثة وخطوط تشغيل أبسط وهياكل تكلفة أكثر انضباطاً. أما شركات الطيران التقليدية، خاصة ذات الشبكات العابرة للقارات، فتعتمد بدرجة أكبر على القوة التسعيرية، والرسوم الإضافية، والمرونة التشغيلية، بدلاً من رهن ميزانياتها بعقود مشتقات طويلة الأجل.
كم يدفع المسافر مقابل الوقود؟
برغم كل ذلك، لا يظهر الوقود كبند واضح في تذكرة الطيران، لكنه متغلغل في سعرها.
في المتوسط، يقدر أن وقود الطائرات يمثل ما بين 15% و30% من سعر التذكرة النهائية، بحسب طول الرحلة وتوقيت شراء الوقود ومستوى أسعار النفط، اعتماداً على البيانات التاريخية ونماذج تسعير شركات الطيران.
في الرحلات القصيرة، تظل نسبة الوقود مرتفعة نسبياً بسبب الاستهلاك الكبير في مرحلتي الإقلاع والتسلق. أما في الرحلات الطويلة، فيتحول الوقود إلى العنصر الحاسم في تكلفة المقعد، وقد تتجاوز مساهمته ثلث سعر التذكرة خلال فترات الصدمات النفطية.
ورغم ذلك، لا تنتقل زيادات أسعار الوقود بالكامل إلى المسافر. فالخبرة التاريخية تظهر أن شركات الطيران غالباً ما تمتص جزءاً كبيراً من الصدمة على حساب هوامش الربح، لأن رفع الأسعار بالكامل يهدد الطلب ويضع الشركات في مواجهة مباشرة مع المنافسين.
مأزق مستمر بلا حل جذري
في المحصلة، يبدو أن وقود الطائرات أزمة هيكلية لا مالية. فالمشكلة لا تكمن في غياب أدوات التحوط، بل في طبيعة صناعة الطيران نفسها: كثيفة رأس المال، شديدة الحساسية للدورات الاقتصادية، وعاجزة عن نقل التكاليف بالكامل إلى المستهلك.
ولهذا، ورغم كل الابتكارات المالية، لا يزال الوقود يمثل العامل الأكثر تقلباً، والأشد خطورة، والأقل قابلية للترويض في صناعة الطيران، لتبقى الأرباح – كما الطائرات – معلقة دائماً بين تقلبات السوق وسعر البرميل.

