صحيفة اخبار الطيران – ألقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية بظلالها الثقيلة على قطاع الطيران العالمي، مع دخول شركات الطيران في موجة اضطرابات غير مسبوقة نتيجة ارتفاع أسعار وقود الطائرات جراء إغلاق مضيق هرمز، وتزايد المخاوف من أزمة إمدادات وشيكة تهدد حركة السفر الدولية.
وفي أحدث مؤشر على حجم التأثير، نقلت وكالة فرانس برس عن شركة “ترانسافيا” التابعة لمجموعة “إير فرانس-كيه إل إم” قولها إنه تم إلغاء نحو 2% من رحلاتها خلال شهري أيار وحزيران القادمين، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، مؤكدة أنها ستوفر للمسافرين المتضررين خيارات إعادة الحجز أو استرداد كامل قيمة التذاكر.
نقطة الاختناق الرئيسية
وتُعد أزمة الوقود العامل الأكثر ضغطاً على شركات الطيران، إذ تشير التقديرات إلى أن الوقود يمثل نحو 40% من تكاليف التشغيل، ومع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالمياً، إضافة إلى ما بين 25% و35% من شحنات وقود الطائرات، تقلصت الإمدادات بشكل ملحوظ، ما أدى إلى قفزة في الأسعار تجاوزت 50% منذ أواخر شباط الماضي.
وحذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن أوروبا قد تواجه نقصاً حاداً في وقود الطائرات خلال أسابيع، في ظل اعتمادها على استيراد نحو نصف احتياجاتها من الكيروسين من دول الخليج عبر مضيق هرمز، ما يضع القارة أمام اختبار حقيقي لما يُعرف بـ”الهشاشة الطاقية”.
إلغاء رحلات وارتفاع الأسعار
ونتيجة لذلك، اضطرت شركات طيران عدة إلى خفض طاقتها الاستيعابية، وخاصة على الرحلات القصيرة، وتأجيل خطط تشغيلية إلى فترات لاحقة، في حين بدأت شركات أخرى بفرض رسوم إضافية على الوقود أو رفع أسعار التذاكر.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الرحلات الطويلة من أوروبا ارتفعت بأكثر من 100 دولار، بينما زادت أسعار بعض التذاكر بنحو 10 يورو في المتوسط، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في حال استمرار الأزمة.
في السياق ذاته، دعت إسبانيا المسافرين إلى حجز تذاكرهم مبكراً لتفادي زيادات مرتقبة في الأسعار، محذّرة من أن استمرار ارتفاع تكاليف الوقود قد يؤثر سلباً على الطلب السياحي، رغم الأداء القوي للقطاع في العام الماضي.
شركات أكثر تضرراً من غيرها
وتتفاوت قدرة شركات الطيران على مواجهة الأزمة، وفقاً لمستوى التحوط ضد تقلبات أسعار الوقود وقوة هوامش الربح.
فبحسب تحليلات شركة “مورنينغ ستار” الأمريكية المتخصصة في مجال أبحاث الاستثمار والخدمات المالية، تُعد شركة “ويز إير” الهنغارية الأكثر عرضة للتأثر، بسبب انخفاض نسبة التحوط لديها إلى نحو 55% وارتفاع اعتمادها على الوقود ضمن هيكل التكاليف.
في المقابل، تبدو شركات مثل “رايان إير” الإيرلندية ومجموعة الخطوط الجوية الدولية (آي إيه جي) في وضع أفضل نسبياً، بفضل نسب تحوط أعلى تصل إلى 80% و62% على التوالي، إضافة إلى مرونة تشغيلية أكبر، كما تحافظ “لوفتهانزا” الألمانية و”إيزي جيت” البريطانية على مستويات تحوط جيدة، لكنها لا توفر سوى حماية جزئية في ظل القفزات الحادة في أسعار الوقود.
إغلاق الأجواء يضاعف التحديات
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الوقود، إذ أدى إغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي في الشرق الأوسط إلى اضطرار الطائرات لتغيير مساراتها، ما يزيد زمن الرحلات بين أوروبا وآسيا من ساعة إلى ثلاث ساعات إضافية.
وترتب على ذلك ارتفاع استهلاك الوقود، وانخفاض كفاءة استخدام الطائرات، وتعقيد جداول الطواقم، فضلاً عن زيادة احتمالات التأخير والاضطرابات التشغيلية.
تحركات حكومية لتخفيف الأثر
في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض الحكومات باتخاذ إجراءات لدعم قطاع الطيران، حيث أعلنت إندونيسيا تحمل ضريبة القيمة المضافة على تذاكر الدرجة الاقتصادية للرحلات الداخلية لمدة 60 يوماً، في محاولة لخفض الأسعار وتخفيف العبء عن المسافرين.
كما لجأت دول أخرى إلى خفض الضرائب على الوقود، في حين تدرس حكومات أوروبية خيارات لتأمين الإمدادات ومنع حدوث نقص حاد خلال موسم السفر الصيفي.
سيناريو مفتوح
ويرى محللون أن التأثير الحالي رغم شدته، لا يزال تحت السيطرة نسبياً، إلا أن استمرار الأزمة قد يدفع شركات الطيران إلى إعادة هيكلة شبكاتها التشغيلية ورفع الأسعار بشكل أوسع، ما سينعكس مباشرة على حركة السفر العالمية.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى العامل الحاسم هو مدة التصعيد في الشرق الأوسط وتفاقم تداعياته، إذ إن إعادة فتح الممرات الجوية واستقرار أسواق الطاقة تمثلان الشرط الأساسي لعودة قطاع الطيران إلى مساره الطبيعي

