توترات الشرق الأوسط.. هل ستنعكس على أسعار تذاكر الطيران؟

مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، من المرجح أن تؤدي اضطرابات مسارات الطيران وارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة النفقات التشغيلية بما قد يصل إلى 6%، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار التذاكر.
ويُعد الوقود أكبر بند تكلفة في هيكل نفقات شركات الطيران. ففي أحدث نتائجها المالية، أفادت شركة «طيران الإمارات» (Emirates) بأن الوقود شكّل نحو 31% من إجمالي تكاليف التشغيل، بما يعادل 8.9 مليارات دولار.
ويرى لينوس باور، مؤسس شركة الاستشارات في قطاع الطيران «بي إيه إيه اند بارتنرز» (BAA & Partners)، أن أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط ينتقل سريعاً إلى هيكل التكاليف في القطاع.
وأشار في تصريحات لموقع AGBI إلى أن ارتفاع سعر خام برنت بنحو 10 إلى 20 دولاراً عادة ما يترجم إلى زيادة تتراوح بين 2% و6% في إجمالي تكاليف تشغيل شركات الطيران. وأضاف: «نادراً ما تتحمل شركات الطيران مثل هذه الصدمات لفترة طويلة؛ فهي تدير أثرها أولاً ثم تمررها إلى السوق».
النفط يضغط على هيكل التكاليف
انعكس التصعيد الجيوسياسي سريعاً على أسواق الطاقة. فقد ارتفع «خام برنت» بنحو 9% ليغلق الجمعة عند مستوى يقل قليلاً عن 93 دولاراً للبرميل، بعدما لامس 94.48 دولاراً، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2023.
كما صعد «خام غرب تكساس الوسيط» إلى نحو 91 دولاراً للبرميل، مسجلاً زيادة بلغت 12.2% بحلول الساعة 17:00 بتوقيت نيويورك.
ويضع هذا الارتفاع شركات الطيران أمام ضغوط إضافية على التكاليف، في وقت يعتمد فيه القطاع بشكل كبير على استقرار أسعار الوقود للحفاظ على هوامش الربحية.
التحوط يخفف الصدمة
رغم حساسية القطاع لأسعار النفط، فإن شركات الطيران ليست مكشوفة بالكامل لتقلبات السوق الفورية، إذ تعتمد العديد من الشركات على استراتيجيات التحوط عبر أدوات مالية مثل العقود الآجلة والمقايضات والخيارات لتثبيت أسعار الوقود لفترات تمتد أحياناً لعدة أشهر أو سنوات.
وتختلف درجة التحوط بين شركة وأخرى؛ فبعض شركات الطيران تغطي جزءاً كبيراً من استهلاكها المتوقع من الوقود، فيما تتبنى شركات أخرى نهجاً أكثر تحفظاً لتجنب الخسائر في حال تراجع الأسعار.
غير أن هذه الاستراتيجيات لا تعزل القطاع تماماً عن تقلبات السوق. فمع انتهاء العقود المبرمة مسبقاً، تضطر الشركات إلى شراء الوقود وفق الأسعار السائدة في السوق. وفي حال استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة، تتلاشى تدريجياً مزايا عقود التحوط السابقة، لتعود الضغوط على التكاليف إلى الظهور.
وأوضح متحدث باسم «طيران الإمارات» إنه من المبكر تقييم الأثر الكامل لارتفاع أسعار الوقود، لكنه أشار إلى أن الشركة تشتري الوقود مسبقاً وفق أسعار متفق عليها. وأضاف: «يتم شراء الوقود مسبقاً بأسعار محددة، ولذلك لن يظهر تأثير أي تحركات سعرية فوراً».
ارتفاع الأسعار بدأ قبل الأزمة
تأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه أسعار التذاكر تتجه بالفعل إلى الارتفاع. فقد أظهرت بيانات شركة الاستشارات في الطيران «سيريوم» (Cirium) أن متوسط أسعار التذاكر الاقتصادية باتجاه واحد إلى «مطار هيثرو» (Heathrow Airport) في لندن ارتفع بشكل ملحوظ خلال عام 2025، مع تسجيل «طيران الإمارات» أكبر زيادة بين شركات الطيران.
وارتفع متوسط سعر التذكرة لدى الشركة بنسبة 17% على أساس سنوي ليصل إلى 515 دولاراً، وهو أعلى مستوى في سبع سنوات.
في المقابل، سجلت «الخطوط الجوية البريطانية» (British Airways) زيادة أكثر اعتدالاً بلغت 4% ليصل متوسط السعر إلى 318 دولاراً. كما سجلت شركات أخرى مثل «الخطوط الجوية القطرية» (Qatar Airways) و«الخطوط الجوية السعودية» (Saudia) و«الخطوط الجوية التركية» (Turkish Airlines) زيادات أقل.
وبشكل عام، بلغ متوسط سعر التذكرة إلى «مطار هيثرو» نحو 366 دولاراً في عام 2025، مقارنة مع 344 دولاراً في 2024 و291 دولاراً في 2023.
سابقة تاريخية
تشير التجارب السابقة إلى أن ارتفاع أسعار الوقود غالباً ما يدفع شركات الطيران إلى تعديل الأسعار. فخلال حرب الخليج الأولى عام 1990، اتفقت شركات الطيران الأعضاء في «الاتحاد الدولي للنقل الجوي» (IATA) على رفع أسعار تذاكر الركاب بنسبة تراوحت بين 5% و8%، كما ارتفعت أسعار الشحن الجوي بنحو 7% لتعويض ارتفاع تكاليف الوقود.
وقال ساجد أحمد، كبير المحللين في شركة «ستراتيجيك إيرو ريسيرش» (StrategicAero Research)، إن ارتفاع أسعار النفط قد ينعكس في نهاية المطاف على المسافرين. وأضاف: «سيتم في نهاية المطاف تحميل المسافرين تكلفة ارتفاع أسعار النفط إلى أن تعود مستويات الإنتاج إلى الاستقرار».
توقعات الأرباح أمام اختبار جديد
قبل التصعيد الأخير، كانت التوقعات تشير إلى بيئة أكثر استقراراً لأسعار الوقود. فقد توقع «اتحاد النقل الجوي الدولي» أن يبلغ متوسط سعر وقود الطائرات نحو 88 دولاراً للبرميل هذا العام، أي أقل بنحو 2.4% مقارنة بعام 2025.
وكانت شركات الطيران تتوقع الاستفادة من انتهاء عقود التحوط القديمة التي كانت تثبت أسعار الوقود عند مستويات أعلى، مع اقتراب الأسعار من مستويات السوق.
وفي نهاية 2025، توقع الاتحاد أن تحقق شركات الطيران في الشرق الأوسط أعلى هامش ربح صافٍ عالمياً عند 9.3%، إضافة إلى أعلى ربح لكل مسافر عند 28.60 دولاراً. ويقارن ذلك بمتوسط عالمي يبلغ 3.9% لهوامش الربح و7.90 دولارات للربح لكل مسافر، ما يعكس الأداء القوي لشركات الطيران في المنطقة قبل التصعيد الأخير.
غير أن استمرار ارتفاع أسعار النفط وتعطل مسارات الطيران قد يضع هذا الأداء أمام اختبار جديد، مع احتمال انتقال جزء من الضغوط التشغيلية إلى أسعار التذاكر.



